وبرغم اعتناقهم الإسلام-غالبًا على يد عثمان وليس أرطغرل كما هو شائع-إلا أنهم قد بقوا على تمسكهم ببعض أساطيرهم القديمة، ليس على سبيل الاعتزاز التاريخي مثلًا أو ما يوصف بالحفاظ على التراث، وإنما على سبيل التمسُك الحقيقي بهذا النمط البدائي ولكن بصبغة حاولوا أن تبقى إسلامية لتناسب دعاية سلاطين بني عثمان لأنفسهم.

– أسطورة الأصل والذئاب الرمادية:

تقول الأسطورة التركية القديمة: إن قبيلة كانت تعيش إلى جوار دولة قوية، وفي يوم أرسل ملك تلك الدولة جيشه لإفناء تلك القبيلة، فداهمها الجيش وقتل أهلها عن آخرهم عدا طفلًا صغيرًا أراد الجنود التسلية بتعذيبه فقطعوا أطرافه وتركوه في بعض المستنقعات ليموت ببطء.

إلا أن ذئبة قد رأت الصبي البائس فأنقذته ورعته حتى إذا كبر وبلغ مبلغ الرجال تزوجها وأنجبت منه أبناءً أقوياء انتقموا من تلك الدولة المتجبرة، ثم تناسلوا ليصبحوا نواة الجنس التركي المقاتل..
وبذلك أصبحت الذئبة الرمادية رمزًا من الرموز الأسطورية للتُرك إلى حد قيام الجمهورية التركية في بداية عهدها بوضع صورتها على بعض العملات..

وفي نهايات ستينيات القرن العشرين، أنشأ ضابط تركي منظمة “الذئاب الرمادية” الإرهابية، وهي منظمة فاشية عنصرية تؤمن بتفوق العرق التركي وتجمع ذوي الأصول التركية “الطورانية” في دولة واحدة، وتعادي الأعراق التي خضعت يومًا للحكم العثماني ثم تمردت عليه كالعرب واليونانيون والبلقانيون والأكراد.. وقد تورطت تلك المنظمة الإجرامية في المئات من جرائم القتل-أحيانًا الجماعي-بحق العناصر المعادية لها

ولتصبح تحية هذه المنظمة هي ضم أصابع الإبهام والوسطى والبنصر ورفع السبابة والخنصر مما يصنع شكلا قريبًا من رأس الذئب..

هذا النمط من الموروثات وطريقة تعامل العثمانيون-القدامى والجدد-معه هو مما يُسَميه أصحاب التخصص في الأساطير والمعتقدات بـ”الطوطمية”، وهي اعتقاد قوم في انحدارهم من جد أكبر-طوطم- حيواني أو حتى نباتي، مما يجعلهم يتخذونه رمزًا ويقدسونه، بل وقد يتشبهون به في سلوكهم، والحق يقال أن العثمانيون كان لهم سلوك الذئاب خاصة فيما يتعلق بطريقة السيادة على “القطيع” فضلًا عن مصير السلطان/الذئب المخلوع من مركزه..

لا أقول إن العثمانيون قد آمنوا بالفعل بانحدارهم من نسل ذئبة وإنسان، ولكن ترسخ الأسطورة في الوجدان الجمعي لهم حتى رغم انسلاخهم عن المعتقدات القديمة واعتناقهم الإسلام قد أثر لا شك في سلوكهم الجمعي وهو أمر متوفر في المجتمعات ذات الموروثات الطوطمية.

– البادشاه.. واختيار السماء للحاكم:

في المعتقد التركي القديم-الما قبل إسلامي لو سمحتم لي بهذا التعبير-يكون حاكم القبيلة أو العشيرة هو “مختار من السماء” وبالتالي فإن بلوغه سِدة الحكم ما هو إلا اختيار إلهي مقدس، لا ينبغي أن ينازعه فيه أحد وإلا فإنه يكون متحديًا لإرادة الإله نفسه، وبالتالي فإن تصرفات هذا الحاكم ما هي إلا بموجب تفويض إلهي بالحكم، يبيح له اتخاذ كل ما يراه لازمًا لمصلحة الدولة مهما بلغ هذا التصرف من التطرف والعنف والقسوة..

بقي العثمانيون بعد إسلامهم على الإيمان بهذه الفكرة، فآمنوا أن كرسي السلطنة ما هو إلا حكم إلهي بأحقية من تربع عليه في الحكم، بغض النظر عن طريقته لذلك حتى وإن تضمنت خيانات وقتل وعنف وترويع، فإن مجرد فوزه بالسلطنة هو علامة على رضا الله عن حكمه، مما يجعل من الخروج عليه تمردًا على الإرادة الإلهية.. وهو ما قاله سليمان القانوني لابن له خلال بعض المراسلات معه إثر أنباء عن تمرد هذا الابن، وبالتالي فإن السلطان هو تجسيد الإرادة الإلهية أو كما هو مكتوب على ختم/طغراء بعض السلاطين العثمانيين هو “ظل الله على الأرض”.

هذا المستوى من الحصانة أباح لكثير من سلاطين آل عثمان ارتكاب ما تقشعر له الأبدان من جرائم، سواء المذابح الجماعية بحق أهالي المدن التي تقاوم غزوهم، أو إصدار قانون بشع كـ”قانون قتل الأخوة الذكور” وتوسع كثير من السلاطين في تنفيذه إلى حد قيام أحدهم بقتل 19 أخًا له فور موت أبيه، أو المسارعة باستصدار فتاوى المروق عن الدين من شيوخ السلطان ضد الخصوم رغم أن الخصومة سياسية بحتة (وهو نفس ما يفعله العثمانيون الجدد ضد من يجرؤ على انتقاد الدولة العثمانية!) كل هذه الأفعال ما هي إلا انعكاس لاستمرار وجود تلك الفكرة البدائية عن “الحق الإلهي في الحكم” و”المَلِك المقدس” والتي كان الزمن قد عفا عليها!

وعلى ذكر ذلك، ثمة قصة يرويها الرحالة العثماني أوليا جلبي تقول إنه يومًا ما قد حلم بالرسول محمد وفي حضرته سلاطين المسلمين، فشكا له السلطان المملوكي قايتباي من أن السلطان سليمان القانوني قد وضع يده على مسجده في القاهرة، فعاتب الرسول قايتباي لأنه قد شكا إليه أحد سلاطين آل عثمان وأردف الرسول أن هؤلاء هم الذين يلون الأمر حتى يردونه لعيسى بن مريم (أي أنهم يحكمون إلى الأبد لحين رجوع المسيح في آخر الزمان وفقًا للمعتقد الإسلامي).. طبعًا نحن الآن وبعد مرور نحو 100 عام على خلع آخر سلاطين آل عثمان نعرف جيدًا قيمة دعاية أوليا جلبي هذا والتي تعتبر ترجمة للنظرة العثمانية للحاكم!

– السماء والدماء:

العلم العثماني-وهو علم الدولة التركية حاليًا-ما هو إلا إحياء لأسطورة قديمة تتحدث عن أن الدماء تنعكس على وجه السماء المقدسة..

فاللون الأحمر على العلم ما هو إلا إحياء لقصة تقول أن بعد معركة كوسوفو غطت الدماء الأرض حتى انعكست على السماء والتي كان فيها هلال ونجمة-غالبًا هي كوكب الزهرة-وهما هلال ونجمة العلم.. فبعكس الشائع أن الهلال على العلم التركي هو رمز إسلامي-كأهلة أعلام الدولة الإسلامية-ولكن حقيقة الأمر أن الهلال والنجم هما من الرموز الفلكية التركية القديمة لآلهة السماء التي ينعكس على وجهها ما يجري على الأرض، وإنما تصادف توافُق رمز الهلال التركي الوثني القديم مع الهلال الإسلامي..

من نفس المنطلق فإن من المحرم أن تنعكس على صفحة السماء دماء ملكية، فـ”المَلَكية” هي عطية سماوية مقدسة..

لهذا كان التُرك-وقرابتهم المغول-حين يريد بعضهم قتل أمير أو سلطان سابق من بيتهم الحاكم، يخنقه بطريقة لا دماء تسيل منها، ككسر العامود الفقري أو العنق أو-وهي الطريقة المفضلة لهم-الخنق بوتر قوس أو بحبل حريري..

بقي العثمانيون على تلك العادة، والتي كان لديهم إفراط في تنفيذها باعتبارهم أصحاب أعلى رقم في القتل بين الأقارب في الأسرة الحاكمة الواحدة، فكان السلطان عند تربعه على العرش يأمر الجند بخنق إخوته الذكور وربما أبناءهم، بل أن سليمان القانوني قد خنق اثنين من أبناءه، ومحمد الثالث قتل 19 من إخوته بهذا الشكل قبل حتى أن تخرج جنازة أبيه… وعلى حد علمي لم يُقتَل سلطان عثماني إلا بمثل هذه الطرق، بخلاف السلطان عبد العزيز الذي انتحر بعد خلعه وحبسه بقطعه شرايين معصميه!

– ختامًا:

كثيرًا من الشعوب الإسلامية بقيت تحتفظ ببعض معتقدات الماضي وممارسته، ولكن العثمانيون اختلفوا في أنهم لم يبقوا على تلك المعتقدات والممارسات على مستوى “الثقافة الشعبية” وإنما تبنوا أفكارهم السابقة وضمنوها نظام حكمهم وسياستهم وألبسوها صبغة دينية فقط لأنها تخدم هدفهم في إخضاع الشعوب الإسلامية لهم، فلم يكتفوا بأن كانوا ردة على تطور أنظمة الحكم عند المسلمين وإنما أضافوا عبثًا بالدين وإقحامًا للمعتقدات الوثنية فيه، بينما هم ينشرون أنهم هم حماته والمحاربون في سبيله!